الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني
310
موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان
وقهراً ، فعلم أنه ليس للزهد قيمة عند العارفين لأنهم يعلمون أن ما قسم لهم لا يصح فيه ترك وما لم يقسم لا يمكنهم أخذه فاستراحوا ، وأيضاً فإن الدنيا كلها لا تزن عندهم جناح بعوضة فكيف يرون الزهد في ذلك مقاماً ؟ وقد اختلفت مشاهد الناس عندنا في مقام الزهد وانشاداتهم ، فمنهم من استصحبه شهود الحق تعالى مع حجابه عن شهود سواه فأنشد : تجرد عن مقام الزهد قلبي * فأنت الحق وحدك في شهودي أأزهد في سواك وليس شيء * أراه سواك ياسر الوجود ومنهم من تخلق بأخلاق الله تعالى ورأى الوجود كله من شعائر الله تعالى ، فلم يزهد في شيء بل استعمل كل شيء فيما خلق له ، وهذا أكمل الكاملين من الأمم . وما كان زهد الأنبياء في الدنيا حين عرضت عليهم إلا تشريعاً لأممهم ، لأن بداية مقامهم يأخذ من بعدها نهاية هؤلاء الأولياء الذين زهدوا في الدنيا والذين لم يزهدوا ، فبالنظر لمقامهم عن أنفسهم لا يزهدون ، وبالنظر لأممهم يزهدون » « 1 » . ويقول الشيخ ابن قضيب البان : « قال لي [ الحق ] : من زهد في شيء من الكون ما صحت معرفته فيه » « 2 » . [ من حكايات الصوفية ] : يقول الشيخ محمد بن ملا القاري : « روي في الخبر أن رجلًا دخل على أبي ذر رضي الله عنه في بيته ، فجعل ذلك الرجل يقلب بصره في بيت آبي ذر يميناً وشمالًا ، فقال الرجل : يا أبا ذر ما أرى في بيتك متاعاً ولا شيئاً من الأثاث . فقال له : إن لنا بيتاً آخر ، ونحن نريد أن نرتحل إليه ، لأنه موضع مقامنا وقرارنا ، فنحن نوجه إليه صالح متاعنا . فقال له ذلك الرجل : فإنك لا بد لك من متاع ما دمت هاهنا .
--> ( 1 ) - الشيخ عبد الوهاب الشعراني كشف الحجاب والران عن وجه أسئلة الجان ص 118 117 . ( 2 ) - د . عبد الرحمن بدوي - الإنسان الكامل في الإسلام ص 198 .